الشيخ محمد رشيد رضا
476
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والفرق بين نسبة انزال القرآن إلى الرسول هنا ونسبة انزاله إليهم في أول الآية ( على القول المشهور بان المراد بما أنزل إليهم القرآن ) هو أن خطابهم بانزال القرآن إليهم يراد به انهم مخاطبون به ومدعون اليه ، ومثله ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ) وأما اسناد انزاله إلى الرسول ( ص ) فليس لإفادة أنه أوحي اليه فقط ، بل يشعر مع ذلك بان انزاله اليه سبب لطغيانهم وكفرهم ، وانهم لم يكفروا به لأجل انكارهم لعقائده وآدابه وشرائعه أو استقباحهم لها ، بل لعداوة الرسول الذي أنزل اليه وعداوة قومه العرب . وقيل إنه يفيد براءتهم منه ، وانه لاحظ لهم فيه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي فلا تحزن عليهم لأنهم قوم تمكن الكفر منهم ، وصار وصفا لازما لهم . - وهذه نكتة وضع الظاهر موضع الضمير - وحسبك اللّه ومن اتبعك من مؤمني قومك ومنهم ، كعبد اللّه بن سلام وغيره من علمائهم ، قال الراغب : الأسى الحزن ، وأصله اتباع الفائت بالغم والعبرة للمسلم في الآية أن يعلم أن المسلمين لا يكونون على شيء يعتد به من أمر الدين حتى يقيموا القرآن وما أنزل إليهم من ربهم فيه ويهتدوا بهدايته ، فحجة اللّه على جميع عباده واحدة ، فإذا كان اللّه تعالى لا يقبل من أهل الكتاب قبلنا ، تلك التقاليد التي صدتهم عما عندهم من وحي اللّه تعالى ، على ما كان قد طرأ عليه من التحريف بالزيادة والنقصان ، فأن لا يقبل منا مثل ذلك مع حفظه لكتابنا أولى . والناس عن هذا غافلون ، وبالانتساب إلى المذاهب راضون ، وبهدي أئمتها لا يقتدون ، وإلى حكمة الدين ومقاصده لا ينظرون ، ( ويحسبون أنهم على شيء : ألا انهم الكاذبون ) ولما كان الانتساب إلى الدين لا يفيد في الآخرة الا بإقامة كتاب الدين ، بين اللّه تعالى بعد تلك الحجة أصول الدين المقصودة من إقامة الكتب الإلهية كلها التي يترتب عليها الجزاء والثواب فقال * * * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى - مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ مناسبة وضع هذه الآية هنا لما قبلها وما بعدها بيان ان أهل الكتاب لم يقيموا دين اللّه ، وما كلفهم اللّه إياه ، لا وسائله ولا مقاصده ، فلا هم حفظوا نصوص الكتب كلها ، ولا هم تركوا ما عندهم